تفسير آية

العقاب الدنيوي

قال الله تعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ سورة الكهف – الآية 58-59

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ سورة فاطر – الآية 45

في هاتين الآيتين الكريمتين تحدث القرآن الكريم عن أنه لو كان الله يريد أن يؤاخذ الناس بظلمهم، وبما كسبوا. لما ترك على ساحة الناس من دابة يعني لأهلك الناس جميعاً.

وقد وقعت مشكلة في كيفية تصوير هذا المفهوم القرآني، حيث إن الناس ليسوا كلهم من الظالمين عادة. ففيهم الأنبياء وفيهم الأئمة والأوصياء. فهل يشمل الهلاك الأنبياء، والأئمة العدول من المؤمنين؟ حتى إن بعض الناس استغل هاتين الآيتين لإنكار عصمة الأنبياء (ع).

والحقيقة أن هاتين الآيتين تتحدثان عن عقاب دنيوي وليس عن عقاب أخروي، إنها تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أمة من طريق الظلم والطغيان، وهذه النتيجة الطبيعية لا تختص حينئذ بخصوص الظالمين من أبناء المجتمع، بل تعم أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم، وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم.

فحينما وقع التيه على بني إسرائيل نتيجة ما كسب هذا الشعب بظلمه وطغيانه وتمرده. لم يختص بخصوص الظالمين من بني إسرائيل، إنما شمل موسى (ع) الذي يعتبر أطهر الناس وأذكاهم وأشجع الناس في المواجهة الظلم والطواغيت. نعم لقد شمل موسى (ع) لأنه جزء من تلك الأمة، وقد حل الهلاك بتلك الأمة وقدّر نتيجة ظلمهم أن يتيهوا أربعين عاماً، شمل التيه موسى (ع).

وحينما حل البلاء والعذاب بالمسلمين نتيجة انحرافهم، فأصبح يزيد بن معاوية خليفة عليهم يتحكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم، حيثما حلّ هذا البلاء لم يختص بالظالمين من المجتمع الإسلامي وقتئذ بل إنه شمل حتى الإمام الحسين (ع) الذي يعتبر أطهر الناس وأذكاهم وأطيبهم وأعدلهم. نعم لقد شمل الإمام المعصوم (ع) فقتل تلك القتلة الفظيعة هو وأصحابه وأهل بيته.

هذا كله هو منطق سنة التاريخ والعذاب حينما يأتي في الدنيا على مجتمع وفق سنن التاريخ، لا يختص بخصوص الظالمين من أبناء ذلك المجتمع، ولهذا قال القرآن الكريم في آية أخرى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. سورة الأنفال – الآية 25

بينما يقول في موضع آخر: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. سورة فاطر – الآية 18

فالعقاب الأخروي دائماً ينصب على العامل مباشرة. وأما العقاب الدنيوي فيكون أوسع من ذلك.

إذن هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن سنن التاريخ، لا عن العقاب بالمعنى الأخروي، والعذاب بمعنى مقاييس يوم القيامة، بل عن سنن التاريخ وما يمكن أن يحصل نتيجة كسب الأمة وسعيها وجهدها.

المصدر: التفسير الموضوعي – للشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى